ابن شبة النميري

505

تاريخ المدينة

لا عهد لهم برؤيتها ( 1 ) ، ورجع كل رجل منهم إلى أهله ، وأتى كل رجل منهم جانبه من ثقيف فسألوه : ماذا جئتم به ، وما رجعتم به ؟ قالوا : أتينا رجلا غليظا يأخذ من أمره ما شاء ، قد ظهر بالسيف وأداخ ( 2 ) العرب ، وأدان له الناس ، فعرض علينا أمورا شدادا : هدم اللات وترك الأموال في الربا إلا رؤوس أموالنا ، وتحريم الخمر . قالت ثقيف : فوالله لا نقبل هذا أبدا ، فقال الوفد فأصلحوا السلاح وتيسروا للقتال ( 3 ) ، ورموا حصنكم . فمكثت بذلك ثقيف يومين أو ثلاثة يريدون - زعموا - القتال ، ثم ألقى الله في قلوبهم الرعب ، فقالوا : والله ما لنا طاقة به ، أداخ العرب كلها ، فارجعوا إليه وأعطوه ما سأل وصالحوه عليه ، فلما رأى الوفد أنهم قد رعبوا وخافوا واختاروا الامن على الخوف والحرب قال الوفد : فإنا قد قاضيناه ، وأعطانا ما أحببنا وشرط لنا ما أردنا ، ووجدناه أتقى الناس وأوفاهم ، وأرحمهم وأصدقهم ، وقد بورك لنا ولكم في مسيرنا إليه ، وفيما قاضيناه عليه . فانهوا القضية واقبلوا عاقبة الله ، قالت ثقيف : فلم كتمتمونا هذا الحديث وغممتمونا به أشد الغم ؟ قالوا : أردنا أن ينزع الله من قلوبكم نخوة الشيطان ( 4 ) . فأسلموا مكانهم واستسلموا ، ومكثوا أياما ، ثم قدمت عليهم رسل رسول الله صلى الله عليه وسلم أميرهم خالد بن الوليد ، وفيهم المغيرة بن شعبة ،

--> ( 1 ) في المرجع السابق " كأنهم لم يكن لهم بها عهد ولا برؤيتها " . ( 2 ) أداخ العرب : أي أذلهم ( النهاية 2 : 34 ) . ( 3 ) وتيسروا للقتال أي تهيئوا له ( أقرب الموارد 2 : 1198 ) وهو بهذا موافق لشرح المواهب للزرقاني 3 : 9 . ( 4 ) نخوة الشيطان : الكبر والعظمة ( شرح المواهب للزرقاني 4 : 9 ) .